|
هذا
بشكل عام، وبشكل أكثر اقترابا، فإن الدراسة تطرح فكرة جديدة و نظرية
جديدة تحاول تفسير تراثنا في الفكر السياسي والقيادة السياسية وتأثير
ذلك التراث، على سلوكنا السياسي الحالي سواء كنا نتحدث عن القيادة في
نظم الحكم أو في منظماتنا الأخرى، وتحديد نتائج ذلك على المجتمع،
وبخاصة، مدى توافق المجتمع العربي أو تعارضه مع الديمقراطية.
يؤكد الكاتب على أن فهمنا للنظرية يفترض استعدادات نفسية اجتماعية
ثقافية لدى الشعوب العربية يعززها استمرارية الممارسة وعدم اكتمال أو
نضوج الظروف المؤدية للتغيير، ويعبر عن هذا بالمخيال السياسي الاجتماعي،
وليس عن خصائص وراثية غير قابلة للتعديل أو للتغيير.
الفرضيات التي ناقشتها الدراسة :
تسيطر على
عملية القيادة السياسية العربية نمطية معينة نسميها النمط النبوي –
الخليفي أو النمط الزعامي – السلطوي ، وهي مستمرة بغض النظر عن عقيدة
المجموعة أو الفترة الزمنية التي تعيشها هذه النمطية هي ظاهرة عامة في
البيئة السياسية العربية بغض النظر عن الزمان والمكان منشأ العناصر
الأساسية لهذه النمطية اجتماعي ثقافي وهي أربعة عناصر: الشخصانية أو
الذاتية، الفردية، اللامؤسسية والاستعداد لتقبل الرجل العظيم.
دور العقائد في التأثير على استمرارية النمطية المذكورة أو تعديلها دور
ضعيف، أي أن استمرارية النمط أقوى من تاثير العقائد.
يشكل النمط النبوي – الخليفي بمجموع عناصره وحركيته المخيال السياسي
العربي، وهو بصفته خاصية للمجتمع، غير محصور في الممارسات السياسية
للقيادات، بل هو أ]ضا متمثل في ما يشكل النظرية السياسية للقيادة في
الثقافة العربية. فهو يمثل الوحدة بين النظرية السياسية وللممارسة
الفعلية للقيادة. أي أن عناصره متوافرة في الممارسة السياسية كما هي في
التفكير السياسي العربي.
هنالك نتائج سلبية لاستمرارية هذه النمطية، من أهمها أننا نترك أمورنا
للقدر بتوقعنا للمنقذ ونتخلى عن مسؤولياتنا وهذا يؤدي إلى ضعف استعداد
المجتمع العربي للديمقراطية وبصيغة أخرى، هنالك تعارض كبير بين ما
يفرضه النمط الزعامي – السلطوي من سلوك وما تتطلبه الديمقراطية من شروط
وسلوك ونتائج.
وعلى الرغم من اختصاص الدراسة بالقيادة عند العرب، لا تنكر الدراسة
عمومية ظاهرة البطولة وتوقع المنقذ في الأمم المختلفة، وتبين الظروف
التي تؤدي إلى عمومية الظاهرة في مجتمعات أخرى. وتحتاج المجتمعات
العربية إلى نقلة من الوضع الحالي كما نجحت شعوب أخرى.
وقد شملت الدراسة مساحة واسعة من التراث العربي الاسلامي الماضي
والحاضر، متضمنة نظرية الخلافة والشورى والإمامة ونظرة الفلاسفة
المسلمين وتاريخ الممارسات في نظم الخلافة، بالإضافة للفكر العربي
المعاصر في موضوع القيادة السياسية وست حالات للقيادة السياسية
المعاصرة والفترة الديمقراطية وعلاقتها بكل ذلك التراث.
وخلاصة القول بالنسبة للحالات المعاصرة التي اشتملت عليها الدراسة،
وعلى الرغم من الدرجة العليا من التنوع والاختلاف في عقائدها، من أقصى
اليمين إلى أقصى اليسار، فإنها لم تستطع أن تخرج عن الإطار التقليدي
والممارسات التقليدية. ومن الأهمية بنفس الدرجة أن الايديولوجيات أو
العقائد الفكرية التي كانت تحرك كل حالة من الحالات المذكورة لم تكن
كافية لإظهار الفرق في حركيات القيادة أو ديناميتها، وهذا يعزز ما
يتنبأ به النمط الزعامي – السلطوي. ففي كل الحالات كان الفرد القائد
الزعيم (نبوياً كارزميا كان أم خليفيا سلطويا) هو الذي يعمل الفرق في
العلاقات القيادية، في وجوده أو غيابه، وليست العقيدة.
ولا يمكن دراسة أنماط القيادة بمعزل عن الدور الذي تقوم به الشعوب
العربية، فبسبب استعدادها لتوقع الرجل العظيم وقبوله والشوق والتحرق
لظهوره، تصبح الشعوب العربية فريسة لأوهامها في الاعتماد على المنقذ
والتخلي عن المسؤولية العامة يعني أن نترك أمورنا للقدر.
وبعد استعراض الآثار السلبية للنمط الزعامي – السلطوي ومناقضته
للديمقراطية، يؤكد الكاتب على أن الديمقراطية كإطار وقاعدة للتنظيم
السياسي، هي المطلوبة واللازمة لمجتمعاتنا العربية بغض النظر عن
العقائد والأفكار المنتشرة بين الناس. ولا يمكن تحقيق التنظيم السياسي
السليم بدون التنمية السياسية وتحقيق أهداف المجتمع بالطرق المؤسسية
البعيدة عن الارتجال. وقد عرض الكاتب الفكرة الديمقراطية من حيث نشأتها
وخصائصها وعيوبها ومزاياها ثم بين أن الديمقراطية ليست كاملة الأوصاف
لأنه لا يوجد النظام السياسي كامل الأوصاف، ولكنها النظام السياسي الذي
يحقق مبدأ أن التنظيم السياسي والقيادة السياسية تمثلان اختيارات
المجتمع بمفهوم الأغلبية وأن التغيير السياسي يتم بالطرق المؤسسية
وبدون سفك دماء.
وحتى يتحول المجتمع العربي إلى مجتمع ديمقراطي لا بد من التدريب
الاجتماعي الثقافي السياسي على التعددية ونبذ الأحادية في التفكير
وقبول الآخر واحترام الاختلاف في الرأي وعدم الإيمان بالمطلق في
الخلافات وعدم الاعتماد المطلق على الفرد القائد في اتخاذ قرارات
الجماعة. ولا شك في أن البداية يجب أن تكون في المدارس والمؤسسات
التربوية حيث يتم تدريب الطلبة منذ البداية على التعامل بديمقراطية
وهذا يحتاج إلى تدريب مديري المدارس والمعلمين ثم الطلبة، ثم يعم
التدريب كافة التجمعات البشرية من الأسرة إلى النقابات إلى التنظيمات
السياسية المختلفة. وكل ذلك يحتاج إلى تخطيط مسبق وحشد القوى البشرية
والمادية اللازمة.
|